ابن حزم
58
جوامع السيرة النبوية
ثم رجع مصعب بن عمير إلى مكة ، وخرج في الموسم جماعة كثيرة ممن أسلم من الأنصار ، يريدون لقاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في جملة قوم كفار منهم بعد على دين قومهم ، ومن دين قومهم الحج على ما كانت العرب عليه حالتئذ ، فوفوا مكة ، وكان في جملتهم البراء بن معرور ، فرأى أن يستقبل الكعبة في الصلاة ، وكانت القبلة إلى بيت المقدس ، فصلى كذلك طول طريقه ، فلما قدم مكة ندم ، فاستفتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فأنكر ذلك عليه ، فراجع الحق رحمه اللّه تعالى . فواعدهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق . فلما كانت تلك الليلة دعا كعب بن مالك ورجال من بنى سلمة عبد اللّه بن عمرو بن حرام ، وكان سيدا فيهم ، إلى الإسلام ، ولم يكن أسلم بعد ، فأسلم تلك الليلة وبايع ، وكان ذلك سرا ممن حضر من كفار قومهم ، فخرجوا في ثلث الليل الأول متسللين من رحالهم إلى العقبة . العقبة الثانية فبايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندها على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزررهم ، وأن يرحل هو إليهم وأصحابه ، وحضر العقبة تلك الليلة العباس بن عبد المطلب متوثقا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والعباس على دين قومه بعد لم يسلم ؛ وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الإخلاص للّه تعالى والتوثق لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أول من بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولحقه أبو الهيثم بن تيهان ، والعباس بن عبادة بن نضلة . وكان المبايعون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة ثلاثة وسبعين وامرأتين . واختار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اثنى عشر نقيبا ، وهم : أسعد بن زرارة ، وقد ذكرناه قبل من الستة ومن الاثني عشر .